سلوكك .. عنوان شخصيتك

الحرب الخفية.. كيف تتلاعب الهندسة الاجتماعية بمشاعر وعقول الجماهير في نشر الشائعات وتزييف الحقائق؟

الحسابات الوهمية والترندات.. الأدوات الخفية الحديثة للتأثير على الرأي العام وتفكيك المجتمعات

كتبت / نهى عبد السلام

 

تتعرض المجتمعات منذ سنوات لحرب شيطانية خفية تلعب على العقول والعواطف، لا تُستخدم فيها الأسلحة التقليدية، بل تتم بطرق غير مباشرة، ولها أنواع وأهداف متعددة، فهي حرب لا يمكن مواجهتها بالأسلحة المتعارف عليها؛ لأنها حرب غير مرئية، ولها مصادر متعددة لا يمكن التعرف على مصدرها، وتعد من أصعب الحروب التي تواجهنا حاليًا.

ومن أخطر أنواعها نشر الشائعات والأخبار الكاذبة والمضللة، والتي أصبحت تزداد بصورة كبيرة، وتتطور وتنتشر أكثر مع تطور التكنولوجيا والذكاء الاصطناعي، وهي من أبرز التحديات التي فرضها الاستخدام المتزايد للتكنولوجيا ووسائل التواصل الاجتماعي، فلم تعد آثارها تقتصر على زعزعة استقرار الدول، بل امتدت إلى تهديد الأفراد وتشويه سمعتهم من خلال معلومات مجهولة المصدر قد تتضمن جزءًا من الحقيقة، بما يساعد على سرعة انتشارها وتصديقها، وقد ساعد ظهور وتطور الذكاء الاصطناعي، وخاصة تقنية التزييف العميق او الـDeepfake، في ازدياد الشائعات وتطورها وتقليل فرص تكذيبها، لأنها أصبحت بالصوت والصورة، وصناعة فيديو كامل يمكن أن يجعل أي شخص يقول أو يفعل أشياء لم تحدث في الواقع، وهو ما يجعل الناس تصدق ما تراه. وهنا لا تكمن الخطورة على من يصنعون هذه الفيديوهات أو المعلومات وينشرونها، وإنما تمتد أيضًا إلى من يصدقونها ويتداولونها دون التحقق من مصدرها أو صحتها.

ومع انتشار هذه التقنيات التي باتت تشكل مخاطر كبيرة على المجتمعات والدول، زاد الاهتمام بعمل دراسات لكشف ما يحدث في الحرب الخفية، تحولت إلى تهديد يومي يستهدف استقرار المجتمعات وإدارة الرأي العام من خلال إثارة الخوف والكراهية، والتركيز على الجرائم والحوادث وتكرارها المستمر حتى يبثوا في نفوس الناس عدم الأمان والاستقرار، وأصبحت الشائعات إحدى أدواتها الأساسية، سواء نُشرت نتيجة الجهل، أو فُبركت عمدًا، أو جرى توظيف حقائق خارج سياقها. ومع تطور الذكاء الاصطناعي وتقنيات التزييف العميق، ازدادت قدرة هذه المعلومات على الانتشار والتأثير، وأصبح التمييز بين الحقيقة والمحتوى المضلل أكثر صعوبة، بما أسهم في تراجع الثقة في وسائل الإعلام.

وتعتمد هذه الحروب على التأثير في الأفراد والمجتمعات من خلال ما يُعرف بالقوة الناعمة، بهدف زعزعة الثقة في المؤسسات وتغيير القناعات من الداخل، والتشكيك في كل انجاز او عمل جيد والتقليل منه وإظهار السلبيات بشكل كبير وانتشارها المستمر على السوشيال ميديا، حيث تؤدي الخوارزميات والهندسة الاجتماعية دورًا مهمًا في هذا السياق؛ فالخوارزميات تتابع اهتمامات المستخدم وتفاعلاته، ثم تقدم له محتوى يتوافق مع ميوله ومعتقداته، مما قد يعزله داخل «فقاعة فكرية» تحد من تعرضه للآراء المخالفة، ومع تكرار هذا المحتوى، يترسخ لدى الفرد الاعتقاد بأن ما يراه يمثل الواقع أو الرأي السائد، فتزداد قناعته بموقفه، وقد يتجه تدريجيًا إلى مواقف أكثر تطرفًا دون أن يدرك تأثير هذا التوجيه.

أما الهندسة الاجتماعية، فتستهدف الإنسان من خلال التلاعب بمشاعره وعقله، عبر استغلال مصداقية المصادر وصياغة رسائل مؤثرة ودراسة نقاط ضعف المستهدف، إلى جانب توظيف الحسابات الوهمية والذباب الإلكتروني والكتائب الإلكترونية والاتجاهات والهاشتاجات لتزييف الرأي العام والسيطرة على النقاش العام، فضلًا عن مراقبة السلوك وتحليله بهدف تحديد نقاط الضعف واستهداف المستخدمين بصورة أكثر دقة.

فيجب أن نقف أمام هذا السلوك السلبي الذي تمكن من مجتمعنا كمرض السرطان؛ لأنه ينتشر في الخفاء بين الناس، ولو لم يتم علاجه والصمود أمام هذا المرض، سوف يتمكن من المجتمع بأسره ويدمره دون أن نشعر. ولذلك نهانا ديننا الحنيف عن الكذب؛ لأن الافتراء وإلقاء التهم على الأشخاص بالباطل ونقل الإشاعات جميعها أساسها الكذب والتحريف، وقد حرم الله الكذب في قوله تعالى: (إِنَّمَا يَفْتَرِي الْكَذِبَ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ وَأُولَٰئِكَ هُمُ الْكَاذِبُونَ).

كما قال الرسول الكريم صلى الله عليه وسلم: (كفى بالمرء كذبًا أن يحدث بكل ما سمع)، لذلك يجب علينا ألا نصدق كل ما يُبث لنا، وكل ما نقرأه أو نسمعه أو نشاهده في جميع الوسائل المختلفة التي تحيط بنا، ولا بد من البحث والتأكد من صحة المعلومات حتى لا نكون فريسة سهلة لكل من يريد التلاعب بنا وبحياتنا، وحتى نستطيع أن نحمي أنفسنا. ويجب أن يكون لدينا وعي بكل ما يدور حولنا؛ لأن الجهل يعتبر العنصر الأساسي الذي تعتمد عليه الإشاعات.

ولذلك نحذر من الاستسلام والانجراف وراء هذه الشائعات والأخبار المغلوطة، والتأكيد على أنه ليس كل ما يقال صحيحًا، وليس كل ما يُسمع يُنقل، خاصة في الفوضى المعلوماتية التي نعيشها في زمننا الحالي.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى