خوارزميات السوشيال ميديا تهدد وعي الشباب واستقرار الأمن القومي
فقاعات التصفية وتأثيرها الصامت في تشكيل وعي الرأي العام بشكل منحاز

كتبت / نهى عبد السلام
لم تعد خوارزميات مواقع التواصل الاجتماعي مجرد تقنية لترتيب المحتوى بل تحولت إلى حرب خفية قادرة على توجيه وعينا وصناعة إدراكنا الجماعي، حيث تعمل الخوارزميات على مواقع التواصل الاجتماعي كأداة اختيار المحتوى الذي يُعرض عليك ويعرفك أكثر من نفسك، فهي تتابع كل تفاعلاتك مثل الاعجابات والمشاركات والتعليقات وتحلل ما تفضله لتعرض لك المحتوى الذي يثير اهتمامك أكثر من غيره بأسلوب ليس محايدا.
مما يؤدي إلى فقاعات التصفية حيث تُحصرك داخل دائرة محتوى مشابه لما تعرفه وتؤمن به، حيث يُحاصر المستخدم داخل ما يُعرف بالفقاعات الرقمية أو غرف الصدى حيث تتكرر وجهات النظر نفسها باستمرار، مما يقوّي التحيزات القائمة ويحد من تعرضك لآراء مختلفة، وبالتالي يُعيد تشكيل وعيك ورؤيتك للعالم بشكل منحاز دون أن تشعر، مما يجعله أكثر عرضة للتضليل والاستقطاب، وهو ما يشكل تهديدًا مباشرًا للأمن القومي واستقرار المجتمعات. ونظرا لاعتماد الشباب المتزايد على هذه المواقع، تتصاعد المخاوف من أن تتحول الخوارزميات إلى أدوات غير مرئية تعيد تشكيل الرأي العام بعيدًا عن الوعي النقدي والمراقبة المجتمعية.
وبناء على خطورة وتطور الذكاء المتزايد لخوارزميات السوشيال ميديا قامت مجلة Social Sciences الصادرة عن MDPI عام 2025 بنشر دراسة حديثة ركزت على دور خوارزميات مواقع التواصل في تشكيل وعي الشباب وطريقة تفاعلهم مع المحتوى الرقمي. حيث اعتمدت الدراسة على مراجعة شاملة لثلاثين بحثًا محكمًا نُشرت بين 2015 و2025 باستخدام إطار PRISMA 2020، والتي شملت عمليات تدقيق حاسوبية، ونمذجة محاكاة، واستطلاعات رأي، ودراسات إثنوغرافية (وهي ملاحظة الناس في حياتهم اليومية لفهم سلوكهم وتجاربهم الطبيعية بشكل واقعي.) وتصاميم متعددة المناهج عبر منصات متنوعة كبيرة مثل فيسبوك ويوتيوب وتويتر/إكس وإنستغرام وتيك توك وويبو.
وقد كشفت النتائج أن الخوارزميات الرقمية تميل إلى عرض محتوى متشابه مع ميول المستخدم السابقة، ما يؤدي إلى تكوين فقاعات رقمية تقلل من تعرض الشباب لوجهات نظر مختلفة وتحد من تنوع المعلومات المتاحة لهم. وأظهرت الدراسة أيضًا أن بعض الشباب يمتلكون وعيًا جزئيًا بآلية عمل هذه الخوارزميات ويحاولون التكيف معها عبر متابعة مصادر متنوعة أو تغيير سلوك التفاعل، إلا أن قدرتهم على التحكم تبقى محدودة بسبب غموض أنظمة التوصية واختلاف مستويات الثقافة الرقمية.
وفي الوقت نفسه، بينت الدراسة أن غرف الصدى ليست سلبية بالكامل، فهي قد تمنح الشباب شعورًا بالانتماء والهوية الثقافية خصوصًا في القضايا الاجتماعية، لكنها لا تمنع الاستقطاب الفكري الناتج عن تكرار المحتوى المتشابه. وتؤكد هذه النتائج أن خوارزميات المنصات لا تكتفي بتنظيم المحتوى بل تشارك بشكل مباشر في تشكيل وعي المستخدمين وتوجيه انتباههم، مما يبرز أهمية تعزيز الوعي الرقمي والنقدي والتربية الإعلامية حتى لا يتحول التصفح اليومي إلى وعي محدود أو منحاز دون إدراك.
المصدر/ مجلة علمية Social Sciences الصادرة عن MDPI
https://www.mdpi.com/2075-4698/15/11/301



