إشارات القلق

عندما يتحول الألم إلى «ترند»… من يدفع ثمن الاستغاثة الكاذبة؟

كتبت/ فاتن ابوكريشه

تعود إلينا حكاية «الراعي الكذاب»، المنسوبة إلى الحكيم الإغريقي إيسوب، لا بوصفها قصة للأطفال، بل كمرآة دقيقة لسلوك إنساني يتكرر بأشكال مختلفة عبر الزمن.

فالصبي الذي اعتاد الصراخ كذبا فقد ثقة من حوله، وحين جاء الخطر الحقيقي، لم يجد من يصدقه وينفذه، فدفع الثمن وحده.

المشهد ذاته يتكرر اليوم على منصات التواصل الاجتماعي، حيث تتزاحم الاستغاثات، وتتصاعد نبرة الصدمة، ويتحول الحديث عن الألم النفسي وإيذاء النفس أحيانا إلى وسيلة لجذب الانتباه أو ملاحقة الترند.

ومع كثرة التكرار، لا تموت المشاعر فجأة، لكنها تستنزف تدريجيا، حتى يصبح التفاعل أقل، والتصديق أصعب.

والخطر الحقيقي لا يكون في تراجع التعاطف، بل في اللحظة التي تأتي  فيها استغاثة صادقة دون أن يلتفت إليها أحد.

فحين يصبح الشك هو ردّ الفعل الأول، قد يترك إنسان حقيقي يواجه ألمه وحيدا، لا لأن القلوب فقدت تعاطفها، بل لأن الصراخ الكاذب استهلك قدرتها على الإنصات.

إن تحويل المعاناة الإنسانية إلى محتوى عابر لا يجرد الألم من صدقه فحسب، بل يشوش وعينا المجتمعي، ويضعف قدرتنا على التمييز بين نداء يطلب النجاة، وصوت لا يطلب سوى الانتشار. وفي عالم سريع الإيقاع، قد تكون لحظة التجاهل الصامتة هي المسافة الهشة بين الحياة والفقد.

 

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى