امرأة تقليدية

بقلم/ هبة عادل
بينما كنتُ أعدّ الفطور، التقطت صوت بائع الجرائد ينادي. تركت ما في يدي على الطاولة…اقتربت من النافذة وقبل أن افتحها دوّي صوت الصحيفة داخل الشرفة، فتأكد لي أن بائع الجرائد ابتعد بعد سماعي صوت دراجته، التي تُصدر أزيزًا متميزًا.
قبل أن أخرج إلى الشرفة، لاحظت ابنتي الصغرى تسألني: ماما، فين النسكافيه؟
تأخرت على الكلية، رسمت ابتسامة على وجهي، ثم جاء صوت ابني الكبير، وهو يمر بالصالة، دون أن ينظر تجاهي فين الفطار؟ في اللحظة ذاتها، كانت ابنتي الوسطى تنظر إليّ بنظرة تحمل في طياتها الاستفهام. فقلت لها “حضرت لك الشاي باللبن وسندوتشات الجبنة. هزت رأسها وهي تعيد النظر في المرآة للتأكد من مظهرها قبل أن تجلس على السفرة.
تقدمت نحو الشرفة، اخذت الصحيفة، كان هواء الصباح باردا، دخلت ببطء وأغلقت الباب. وصلني صوته بعد أن خرج من غرفته وجلس على كرسيه الأثير، وقال لسه ماغليتِش القهوة؟
لم أرد. شعرت فقط بثقل السؤال الذي يرافقني منذ سنوات، كأني أتنافس مع غرباء على رضا لا يأتي. كانوا صغارًا وقبلاتهم دافئة… الآن كلمات الوداع جافة تمر على وجهي ولا تستقر
تحسست خدي بعد أن خرج الجميع
أصبح البيت هادئًا، فتحت الجريدة، على صفحة بريد القراء، كنت أتابع ردود محرر الصفحة؛ أحيانًا أراها سطحية وأحيانًا أشعر أن الرسائل مفبركة.
تزاحمت الأفكار في رأسي، متشابكة كعاصفة. تركت الصحيفة، صببت الماء الساخن فوق الشاي بعدما أضفت إليه قليلًا من القرنفل.
بعد مغادرة الجميع، اجتاحني شيء معتم يتسلل إلى أعماق روحي. دفعني للخروج لاستنشاق الهواء آملاً أن يتلاشى الكدر الذي ملأ صدري. كان الجو يميل إلى البرودة والشمس تتواري خلف السحب. قادتني قدامي إلى شارع جانبي وجدت سيارة زوجي متوقفة ألقيت نظرة على ساعتي لأتأكد من الوقت، هل تعطلت سيارته؟
وأنا أتساءل في سري… رأيته يفتح باب السيارة… ومعه امرأة دعاها للجلوس بجواره بارتياح لم أره منذ سنوات.
اشتعل رأسي بأسئلة لا تهدأ: من هي؟ ولماذا هنا؟
فكرت أن اتصل به، لكني تراجعت. بقيت أيامًا أمّر من نفس الشارع، ابحث عن تفسير، ينفي الشك أو يؤكده.
ذات مساء. رأيتها تمشي بخطوات هادئة، والهواء يداعب شعرها، أسرعت خلفها، مترددة بماذا أناديها. جمعت شجاعتي وقلت لها: يا أستاذة”
التفتت. عندما اقتربت نظرت في عيني مباشرة، نظرة واثقة وكأنها تعرفني منذ زمن.
سألتني: هل تعرفينني؟
”همست بارتباك: لا لكني رأيتك مرة واحدة”
ابتسمت ابتسامة صغيرة وقالت: أنا أعرفك.
مشينا متجاورتين. تحدثت عن أشياء تخصني.. تفاصيل لا يعرفها الغرباء. وصلنا إلى منتصف الجسر، توقفت. كانت كلماتها تمتد نحوي، لم أنتبه إلا لجملة واحدة: أنت امرأة تقليدية.
قلت لها بدهشة: ماذا تعنين؟
أجابت بثقة: هذا وحده يؤكد أنك امرأة تقليدية لو كنتِ غير ذلك لعرفتِ.
مع مرور الأيام بدأت أسمع ما يقال عنها.
آخر مكان شو هدت فيه كان الجسر. الباعة الجائلين قالوا كانت برفقة امرأة ثم افترقوا ورحلت.
في صباحٍ هادئ، وأنا اقلب في الجريدة كعادتي، وقعت عيناي على إعلان في صفحة المفقودين.
صورة كبيرة لكريمة عبد الله وإعلان عن مكافأة لمن يساهم في العثور عليها. ومناشدة مؤثرة لعودتها إلى بيتها.
طويت الجريدة. لم أستطع تحديد المسافة التي قطعتها وأنا أسير، ولم أعرف كم مرّ من الوقت.
لمحت انعكاسي في زجاج النافذة، أو ربما ظل كرملة، كما كان يطلق عليّ بابا في صغري…
“استدرت لم أرَ أحد لكن كان هناك عبارة مكتوبة بخط أسود غامق فوق الإعلان…” اختفاء امرأة تقليدية. تجمدت في مكاني… لا أعلم من كتبها.