التغذية في زمن التهويل… حين يتحول الطعام من حياة إلى قلق
بين النصيحة العلمية والتضخيم الإعلامي أصبح الأكل مصدر ارتباك يومي
كتبت : فاتن ابوكربشه
كان الطعام قبل وقت قريب أمرا بسيطا نأكل لنشبع، نختار ما نحب، وينتهي يومنا دون أي تعقيد.
لكن اليوم تغيرت الصورة تماما، وأصبحنا نقف أمام كل طبق، ونحن أمام سؤال معقد ومحير،هل هذا الطعام صحي أم ضار؟
المفارقة أن الطعام نفسه أصبح يقدم لنا بصور متناقضة تماما؛ فالبيض مرة يقال إنه مفيد، ومرة أخرى يتهم بأنه مضر ويسبب أمراض مسرطنه ، والألبان بين من يراها ضرورية للصحة ومن يعتبرها “سما أبيض”، واللحوم والزيوت والخبز والأرز… الخ ،كل شيء تقريبا أصبح محل جدل ونقاش دائم.
ومع كل يوم جديد يظهر لنا رأي مختلف، وغالبا من مختص تغذيه أو طبيب، فيزداد ارتباك الناس وخوفهم بدلا من أن يزداد وعيهم واطمئنانهم، رغم أن الأصل في نعم الطعام أنها مصدر للسكينة لا للقلق، كما قال الله تعالى:
﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ كُلُوا مِمَّا فِي الْأَرْضِ حَلَالًا طَيِّبًا﴾ [البقرة: 168].
فما يحدث اليوم لا يقتصر على اختلاف الآراء، بل تحول إلى حالة من التشكيك العام، فكثيرون توقفوا عن تناول أطعمة معينة تماما، وآخرون يأكلون وهم يشعرون بالذنب والخوف، بينما أصبح البعض يشك في أي نصيحة غذائية مهما كان مصدرها.
والأخطر من ذلك أن العلاقة بين الإنسان والطعام بدأت تتغير، فبدلا من أن يكون الطعام مصدر طاقة وحياة، أصبح مصدر قلق وتوتر.
والحقيقة أنه لا يوجد طعام “مفيد مطلقا” أو “ضار مطلقا” في كل الحالات، فالأمر يعتمد على الكمية، وطريقة التحضير، والحالة الصحية، واحتياج كل شخص على حدة.
فنفس الطعام قد يكون مناسبا لشخص وغير مناسب لآخر، وقد يكون صحيا إذا تم تناوله باعتدال، وضارا إذا تم الإفراط فيه،وهو ما يتسق مع القاعدة القرآنية الواضحة في النهي عن الإفراط، قال تعالى: ﴿وَكُلُوا وَاشْرَبُوا وَلَا تُسْرِفُوا إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُسْرِفِينَ﴾ [الأعراف: 31].
لكن المشكلة والخطورة تكون عندما تقدم المعلومات بشكل حاسم ومطلق مثل: “ابتعد عن هذا تماما” أو “هذا خطر جدا” دون شرح أو تفصيل أو مراعاة للفروق بين شخص والاخر .
وساهمت وسائل التواصل الاجتماعي بدور كبير في انتشار المعلومات بسرعة كبيرة، لكنها في المقابل اختزلت العلم في جمل قصيرة وصادمة، فانتشرت عناوين مثيرة للقلق، ومقاطع مقتطعة، ومعلومات خارج سياقها العلمي، لينتهي الأمر بأن الجمهور يتلقى نصف الحقيقة أو أحيانا يفهمه بطريقه خاطئه تماما .
ولم تعد المشكلة غذائية فقط، بل أصبحت نفسية أيضا، فالخوف من الطعام تحول إلى قلق يومي عند كثير من الناس: هل هذا الطعام سيضرني؟ هل أتناول الطعام بشكل خاطئ؟ هل جسدي يتعرض للخطر؟ وهذا يخلق ضغطا نفسيا مستمرا ويحول العلاقة مع الطعام من علاقة طبيعية إلى علاقة قائمة على الخوف والقلق.
الحل ليس في التوقف عن تقديم النصائح الغذائية، بل في إعادة ضبط طريقة تقديمها، بحيث نفهم أنه لا يوجد طعام جيد أو سيئ علي الاطلاق، وأن كل شيء يعتمد على الاعتدال والتوازن، وأن لكل جسم احتياجات مختلفة عن الآخر ، وأنه لا يوجد نظام غذائي واحد يناسب الجميع، والأهم أن تصل المعلومة بطريقة هادئة وواضحة وبعيدة عن التهويل أو التخويف.
في النهاية، الطعام ليس عدوا، والجسد ليس ساحة حرب، والمفترض أن العلم يقربنا من الفهم والطمأنينة ،لا أن يزيد من خوفنا وتوترنا.
وعلي الجميع ، أن يتذكر دائما أن ليس كل ما يقال يطبق عليه، وليس كل صوت مرتفع يؤكد صحة ما يقال ، والأهم ألا نجعل الخوف هو من يختار لنا مانأكله.



