حقائق مغلوطة

حرب التزييف العميق: كيف تصنع الخوارزميات الذعر وتُشكل الرأي العام قبل وقوع الحدث

اقتصاد التضليل: الذعر الرقمي من فيديوهات الحرب المزيفة

مع تطور تقنيات الذكاء الاصطناعي في السنوات الأخيرة، بدأت ملامح الحياة تتغير بشكل ملحوظ، ولم تكن الحروب بعيدة عن هذا التحول، فلم تعد الصراعات تُدار كما كان يحدث في الماضي، بل دخلت مرحلة جديدة أصبحت فيها التكنولوجيا عنصرًا مؤثرًا في مسار الأحداث، وفي هذا السياق برز المحتوى الرقمي كجبهة موازية للمواجهة العسكرية، إذ بات إنتاج الصور والفيديوهات والمنشورات على المنصات الرقمية سواء كانت حقيقية أو مزيفة ومفبركة بالذكاء الاصطناعي  يسير جنبًا إلى جنب مع ما يحدث على الأرض، وقد ظهر هذا المشهد بوضوح خلال الحرب الإسرائيلية على غزة، ثم ازداد حضوره مع تصاعد المواجهة العسكرية بين إيران والولايات المتحدة وإسرائيل منذ نهاية فبراير 2026، حيث امتلأت منصات التواصل بمقاطع وصور تُنشر بسرعة كبيرة قبل التأكد من صحتها، وظهرت جبهة جديدة لا تقل خطورة عن الجبهات العسكرية: جبهة “المحتوى الرقمي”. لكن المفارقة أن كثيرًا من الصور والفيديوهات التي شكّلت تصور الجمهور عن الحرب لم تكن بالضرورة انعكاسًا مباشرًا لما يحدث على الأرض، بل نتاج خوارزميات ومنصات رقمية تعطي الأولوية للمحتوى الأكثر إثارة وانتشارًا.

وقد استند هذا التحليل إلى مراجعة مهنية لمعلومات وتقارير متعددة من منصات دولية موثوقة، شملت تحقيقات Euronews حول التحقق من الأخبار، ومقالات تحليلية من WIRED حول انتشار المحتوى المزيف على منصة X، وتقارير تقنية من Dataconomy عن دور الذكاء الاصطناعي في صناعة الصور والفيديوهات المزيفة، بالإضافة إلى تغطيات RTL Today للأحداث المتسارعة في الشرق الأوسط، مما مكّن من رسم صورة أوضح لكيفية تطور الحرب الرقمية بالتوازي مع المواجهات العسكرية الواقعية.

خلال الأيام الماضية، كشفت تقارير دولية أن منصات التواصل الاجتماعي امتلأت بمقاطع مصورة وصور تبدو واقعية لدمار في مدن مثل دبي أو تل أبيب أو قواعد عسكرية في الخليج. غير أن تحقيقات التحقق الرقمي أظهرت أن عددًا كبيرًا من هذه المواد تم إنشاؤه بواسطة الذكاء الاصطناعي أو أُخذ من ألعاب فيديو أو مقاطع قديمة أُعيد نشرها خارج سياقها الحقيقي.

لكن الظاهرة الأخطر لا تكمن فقط في وجود المحتوى المزيف، بل في الطريقة التي تنتشر بها هذه المواد عبر خوارزميات المنصات، فبحسب تحليلات إعلامية، فإن المقاطع المصنوعة بالذكاء الاصطناعي حول الحرب حصدت مئات الملايين من المشاهدات خلال أيام قليلة، مما جعلها في كثير من الأحيان تتفوق على الأخبار الحقيقية الصادرة عن وكالات الأنباء.

اقتصاد المشاهدات في زمن الحرب

يشير باحثون في الإعلام الرقمي إلى أن بعض الحسابات باتت تنتج محتوى مزيفًا عن الحرب ليس لأهداف سياسية فقط، بل لتحقيق أرباح عبر الإعلانات وعدد المشاهدات، وقد كشفت تقارير عن شبكة حسابات استُخدمت لنشر مقاطع حرب مزيفة عبر عشرات الحسابات المخترقة على منصة “إكس”، بهدف تحقيق انتشار واسع وتحقيق عائد مالي من التفاعل، هذه الظاهرة تكشف تحولًا مهمًا في طبيعة الحروب الحديثة فالمعلومات المضللة لم تعد مجرد أداة دعائية، بل أصبحت صناعة رقمية قائمة بذاتها تعتمد على جذب الانتباه وتحقيق الانتشار.

صور حقيقية… لكن مُعدّلة

ولم تقتصر الظاهرة على الصور المزيفة بالكامل فخبراء التحقق الرقمي رصدوا أيضًا انتشار صور حقيقية من الحرب جرى تعديلها أو تحسينها بواسطة أدوات الذكاء الاصطناعي لتبدو أكثر درامية أو دمارًا، هذه التعديلات البسيطة قد تغيّر إدراك الجمهور لما يحدث فعليًا على الأرض ويحذر خبراء الإعلام من أن هذا النوع من “التضليل الجزئي” أخطر أحيانًا من الصور المفبركة بالكامل، لأنه يجعل التمييز بين الحقيقة والتلاعب أكثر صعوبة.

عندما تفشل أدوات الذكاء الاصطناعي في كشف الزيف

وتكمن خطورة المشهد في أن بعض أدوات الذكاء الاصطناعي المستخدمة للتحقق من الأخبار لم تكن دائمًا قادرة على كشف هذه المقاطع فقد أظهرت تقارير أن بعض روبوتات المحادثة فشلت في التمييز بين فيديوهات الحرب الحقيقية والمحتوى المُولَّد بالذكاء الاصطناعي، بل إن بعضها أعاد نشر صور مولدة أثناء محاولة التحقق منها وهذا الأمر يثير تساؤلات جديدة حول قدرة الأنظمة الرقمية على حماية المستخدمين من التضليل في أوقات الأزمات.

معركة الوعي

في الحروب التقليدية تُقاس الخسائر بعدد الصواريخ أو الضربات العسكرية، لكن في الحروب الرقمية تُقاس بمدى قدرة كل طرف على السيطرة على الرواية الإعلامية، وفي ظل الذكاء الاصطناعي والخوارزميات، قد يصبح “المشهد الأكثر انتشارًا” هو الذي يحدد تصور ملايين الناس للحقيقة، حتى لو لم يحدث أصلًا ولهذا يرى خبراء الإعلام أن التحدي الأكبر اليوم ليس فقط وقف انتشار الأخبار الكاذبة، بل تعليم الجمهور مهارات التحقق الرقمي والتفكير النقدي ففي عصر الذكاء الاصطناعي لم تعد المعركة على الأرض فقط بل أيضًا على الشاشة التي بين أيدي المستخدمين.

 

 

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى