Site icon وعي بلس

موجة الترند وسياسة القطيع… كيف تصنع الخوارزميات رأيًا عامًا؟

 

أصبح العالم حاليا تتحكم فيه السرعة وتحركه الإشعارات، وبات الترند في مواقع التواصل الاجتماعي كالأمواج الهائلة التي تدفع الجميع في اتجاه واحد، حتى وإن كان هذا الاتجاه بلا قيمة حقيقية. ان ما يطلق عليه موجة او فقاعة الترند لم يعد مجرد ظاهرة رقمية، بل أصبح أداة تصنع ما يشبه سياسة القطيع، حيث تشكل الرأي العام لحظيًا دون أن تمنح الأفراد فرصة للتفكير النقدي.

ان موجة الترند هي حالة تضخيم غير مبرر وزائد عن حجمه لمحتوى معين، ينتشر بسرعة فائقة بفعل خوارزميات المنصات ورغبة المستخدمين في عدم تفويت ما يشاهده الآخرون. وبحسب ما يفسره عالم الاقتصاد السلوكي دانيال كانيمان في كتابه Thinking, Fast and Slow، يميل البشر إلى اتخاذ قرارات سريعة ناتجة عن العاطفة والتأثر بالجماعة دون تحليل عميق. هذا الميل الفطري يجعل المستخدم أكثر عرضة لاتباع الموجة السائدة، معتقدًا أن كثرة المشاهدات دليل على صحة أو أهمية المحتوى.

وفي السياق نفسه، تشير أبحاث نُشرت في Journal of Behavioral Science حول “سلوك القطيع” إلى أن الأفراد غالبًا ما يكررون أفعال الآخرين بحثًا عن الأمان الاجتماعي وتجنبًا للشعور بالعزلة. وبمجرد أن يبدأ المحتوى بالانتشار، يصبح الانضمام إلى الترند سلوكًا شبه تلقائي، حتى لو كان المحتوى مضللاً أو مبالغًا فيه.

ولا يمكن تجاهل الدور المحوري للخوارزميات في تضخيم هذه الظاهرة. فقد كشف تقرير الشفافية الصادر عن Meta لعام 2023 أن مواقع التواصل تعطي الأولوية للمحتوى الذي يحقق اعلى نسبة في التفاعل، بغض النظر عن جودته أو مصداقيته. الأمر نفسه أكدته تحقيقات New York Times حول نظام توصيات تيك توك، حيث تبين أن المنصة تدفع بعض الفيديوهات إلى ملايين المستخدمين خلال ساعات، مما يخلق موجة اهتمام غير طبيعية تؤدي لاحقا إلى تصرفات جماعية متشابهة.

ويرى عالم النفس الاجتماعي إليوت أرونسون في كتابه The Social Animal أن التفاعل الجماعي السريع يخلق حالة انفعالية مشتركة تحفز انتشار الترند حتى بعد أن يفقد معناه الأصلي. وهكذا تتحول المنصات إلى ما يشبه سوقًا ضخمة للرأي، تُباع فيه الانفعالات أكثر مما تُباع الحقائق.

في النهاية، تكشف موجة الترند عن جانب خطير في ثقافة “سياسة القطيع” الرقمية: جمهور واسع يتحرك بسرعة، لكنه يفكر ببطء. وبينما تمنحنا التكنولوجيا قدرة هائلة على الوصول إلى المعلومات، فإنها تمنحنا أيضًا قابلية أعلى للتأثر الجماعي. والسؤال الذي يطرح نفسه: هل نتابع الترند لأننا نؤمن به… أم لأن الجميع يفعله؟

Exit mobile version